في جملة واحدة
اللغة التراثية والرمز المتجسد يبيّنان أن التراث لا يستعمل الكلمة والصورة كعلامات اعتباطية، بل كوسائط تشارك بنحو ما في المعنى الذي تدل عليه.
الشرح الميتافيزيقي
القراءة الحديثة تتعامل مع اللغة كأداة تسمية محايدة. اللفظ عندها علامة اتفاقية يمكن تفكيكها تاريخيا ولسانيا فقط. أما اللغة التراثية فترى أن الاسم قد يحفظ نسبة بين اللفظ والمسمى، وأن الحرف والصوت والشكل ليست خارج الميتافيزيقا.
لذلك تتصل هذه الصفحة بصفحات اللغات المقدسة وعلم الحروف والكلمة الإلهية. فالكلمة ليست مجرد وعاء للمعنى، بل قد تكون طريقا إليه.
خطأ الاستشراق اللغوي
ينتقد غينون ومفتاح نمطا من القراءة يظن أنه فهم التراث عندما أحصى الألفاظ وردها إلى أصول تاريخية. هذا مفيد جزئيا، لكنه يصبح مضللا عندما يختزل اللغة إلى مادة ثقافية. اللفظ التراثي قد يكون مفتاح مرتبة، لا بقايا لهجة.
هنا تلتقي الصفحة مع نقد الاستشراق وعلم الأديان: المشكلة ليست دراسة اللغة، بل ادعاء أن الدراسة الخارجية تستنفد المعنى.
الرمز المتجسد ليس تجسيما
المشكلة الثانية هي الرمزية والتجسيمية. القارئ الحديث يرى الرمز محسوسا فيتهم التراث بالتجسيم، أو يهرب من التجسيم فيجعل الرمز مجازا ذهنيا. كلاهما يضيع الرمز.
الرمز في المنظور الغينوني محسوس، لكنه لا يقف عند الحس. هو صورة في مرتبة تدل على مرتبة أعلى لأنها تشاركها في البنية. لذلك لا يكون الحجر أو الشجرة أو القلب مجرد استعارة، ولا يكون كذلك إلها مستقلا أو جسما للمطلق.
بهذا تتصل الصفحة بصفحات الرمز والمجاز وتنكيس الرموز والقلب وشجرة الوسط.
الصورة والحرف والجسد
حين يتكلم التراث عن يد أو عين أو قلب أو عرش أو كرسي، لا يجوز نقله مباشرة إلى تجسيم حسي، ولا تفريغه إلى مجاز أدبي بلا أثر وجودي. المطلوب هو معرفة المرتبة التي يعمل فيها الرمز. فقد يدل العضو الجسدي على وظيفة، ويدل الشكل على نسبة، ويدل الحرف على أصل صوتي أو عددي.
من هنا تصبح صفحات الكرسي وعلم الكف والأبجدية والأسماء الملائكية جزءا من شبكة واحدة.
أثر الإسلام في الغرب
يدخل تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب من هذا الباب أيضا. الأثر ليس انتقال معلومات فقط، بل انتقال صيغ علمية ورمزية وحرفية تحمل نسبا إلى المبدأ. ولهذا تهم التربيات الحرفية والعلوم العددية واللغة المقدسة أكثر من قوائم الاقتباسات.
شواهد من غينون
تظهر شواهد هذا الباب في دراسات حول كبرى الحضارات عند نقد القراءة الخارجية للتراث، وفي مقالات في العرفان المقارن عند بحث اللغة والرموز والحرف، وفي التصوف الإسلامي المقارن عند علم الحروف والكلمة.
يجعل غينون اللغة نفسها ضربا من الرمزية، فلا فاصل جوهريا بين الكلمة والرمز:
وفي الصّميم، ما من عبارة، وما من صياغة، مهما كانت، إلاّ وهي رمز للفكر، وهي المترجمة عنه في الخارج؛ فاللغة نفسها - بهذا المعنى- ليست بشيء سوى رَمزيّة. (مقالات في العرفان المقارن، مقال الكلمة الإلهية والرمز)
ومن هنا يبطل غينون دعوى أن الأسماء علامات اعتباطية، ويثبت نسبة طبيعية بين العلامة والمعنى، وهو لبّ نقد القراءة اللغوية الخارجية:
لا وجود بتاتاً لأيّ اصطلاح اعتباطيّ حتى في الكلام البشريّ؛ فما من دلالة إلا وأصلها مؤسّس بالضرورة في توافق أو انسجام طبيعيّ بين العلامة وبين ما تدلّ عليه. (مقالات في العرفان المقارن، مقال الكلمة الإلهية والرمز)
وأما الرمز المتجسد فمحسوس لا يقف عند الحس، إذ يرقى الأدنى إلى الأعلى بما بينهما من مناسبة، دون تجسيم ولا تفريغ:
ففي الطبيعة يمكن للمحسوس أنْ يرْمز إلى ما فوق المحسوس؛ والميدان الطبيعيّ بجملته كذلك يمكن أنْ يكون رمزًا للمجال الإلهي. (مقالات في العرفان المقارن، مقال الكلمة الإلهية والرمز)
نصوص الشيخ عبد الباقي مفتاح
علم التصرّف بواسطة الحروف والكلمات وأعدادها كلـّه قائم على مبدء التطابق بين الاسم والمسمّى، والاسم الحقيقي لكل شيء هو تقدير إلهيّ حكيم لا مجال للاصطلاح أو الصدفة فيه. (مقالات في العرفان المقارن، حاشية المترجم على مقال الكلمة الإلهية والرمز)
قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح
قراءة الشيخ مفتاح تجعل المسألة إسلامية بامتياز: الحرف والاسم والكلمة ليست أدوات شرح فقط، بل أبواب في العلم. لذلك لا يكتفي بتعريب مصطلح غينون، بل يرده إلى القرآن والحديث وابن عربي حيث تكون الكلمة فعلا وعلما ورمزا في وقت واحد.
صلات
- اللغة والكلمة: اللغات المقدسة؛ علم الحروف؛ الكلمة الإلهية.
- الرمز لا المجاز: الرمز والمجاز؛ تنكيس الرموز؛ القلب؛ شجرة الوسط.
- الصوت والمكان: رمزية أوم؛ المكان المقدس والمدينة الرمزية.
- النقد المنهجي: نقد الاستشراق وعلم الأديان؛ تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب؛ التربيات الحرفية.