في جملة واحدة

القدر والقياس يعنيان أن الظهور ليس فوضى ولا جبرية عمياء: كل كائن يظهر بمقدار، أي بحد ونسبة ووضع داخل نظام.

الشرح الميتافيزيقي

إذا قرأ القارئ القدر كحتمية خارجية، فقد حوّل مبدأ التعيين إلى قيد آلي. وإذا قرأه كحرية اعتباطية، فقد محا النظام. القراءة التراثية تحفظ الأمرين: المبدأ يعيّن، والكائن يتحقق بحسب مرتبته واستعداده.

لهذا يتصل القدر بصفحات الحرية الميتافيزيقية والوجوب والإمكان والقياس والتجلي.

القياس بوصفه نظاما لا كمية فقط

القياس ليس عملية حسابية فحسب. في المعنى المبدئي، القياس هو ظهور الحد والنسبة. كل تعيّن له مقدار، لا بمعنى الكم فقط، بل بمعنى أن له موضعا وصورة وقانونا.

هذا يشرح الفرق بين الكم والكيف. الحداثة تميل إلى ابتلاع الكيف داخل الكم، بينما القراءة التراثية ترى أن العدد والقياس لا يصحان إلا إذا بقيا تابعين للمبدأ.

لايبنتز وكانتور

لايبنتز مهم لأنه يقف عند مفترق بين حساب رياضي وميتافيزيقا كامنة في لغة التفاضل. لكنه لا يحتاج صفحة تاريخية مستقلة هنا. موضعه الطبيعي داخل صفحات التفاضل والتكامل والحد الأقصى والانتقال إليه.

أما كانتور فيدخل من باب الخلط بين اللامتناهي واللامحدّد. المشكلة ليست شخص كانتور، بل التصور الحديث الذي يجعل اللامتناهي موضوعا كميا قابلا للتدرج داخل مجال العدد. لذلك تبقى الصلة الأساسية بصفحة اللامتناهي واللامحدّد.

الأعداد السالبة والخيالية

الأعداد السالبة والخيالية أمثلة مهمة لأنها تكشف أن الاسم الرياضي قد يخفي اضطرابا ميتافيزيقيا. ما معنى “سالب”؟ وما معنى “خيالي”؟ هل يدل الاسم على عدم، أم على اعتبار داخل نظام عمليات؟

غينون لا يرفض الرياضيات لأنها دقيقة. بل يرفض أن تنسى الرياضيات حدودها، وأن تُعامل رموزها العملية كأنها حقائق مطلقة في الوجود. لذلك تتصل هذه المسألة بصفحات العدد الميتافيزيقي والصفر ليس عددا والمستمر والانقسام اللامحدّد.

من القدر إلى نهاية الدورة

في الثلاثية العظمى يلتقي القدر بمعنى الترتيب الكوني بين السماء والأرض والإنسان. وفي هيمنة الكم يظهر خطر نسيان القياس المبدئي وتحويل كل شيء إلى كمية. بينهما تتضح القاعدة: النظام لا يلغي الحرية، والقياس لا يساوي الكم وحده.

شواهد من غينون

الشواهد الأساسية تأتي من مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا في تمييز اللامتناهي والحد والصفر والحساب، ومن الثلاثية العظمى في معنى الترتيب الكوني، ومن هيمنة الكم في نقد اختزال القياس إلى كمية.

يردّ غينون القياس إلى معناه النسبي: فالمقدار لا يُعرف في ذاته بل بنسبته إلى وحدة مأخوذة للمقارنة، وهذا يجعل القياس نظاما لا كمية معزولة:

وقياس مقدار ليس في الواقع سوى التعبير العددي عن نسبته مع مقدار آخر من نفس النوع مأخوذ كوحدة قياس، أيْ في الأساس كعنصر مقارنة؛ ولهذا فإنّ الطريقة العادية لقياس المقادير الهندسية تعتمد أساسا على التقسيم. (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، في تعريف قياس المقدار)

وحين ينتقل إلى الأعداد السالبة يبيّن أنّ العلامة لا تمسّ كمية العدد، بل تدل على الاتجاه، والاتجاه معنى كيفي لا كمّي؛ فالقياس هنا يحفظ الحدّ والوضع لا الكمّ وحده:

ثمّ إنّ العلامة التي توضع على هذا النحو أمام عدد لا تعني إمكانية تغييره حقًا بأيّ شكل من الأشكال من حيث الكميّة، لأنـها لا أثر لها في شيء يتعلق بقياس المسافات أنفسها، ولكن فقط في الاتجاه الذي تقاس فيه هاته المسافات، والاتجاه هو عنصر من نمط كيفي بحصر المعنى وليس من نمط كمّي. (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، في ترقيم الأعداد السالبة)

ويشدّد على أنّ ترميز السالب اصطلاح لا حقيقة في الوجود، تنبيها إلى أنّ الاسم الرياضي قد يخفي وراءه ما لا مصداق له:

ويـجب ألا ننسى أبدًا، في استعمال هذا الترميز للأعداد السالبة، أنه ليس أكثر من مجرّد اصطلاح. (مبادئ الحساب اللامتناهي صغرا، في ترقيم الأعداد السالبة)

قراءة الموسوعة لتعليق الشيخ عبد الباقي مفتاح

في القراءة الإسلامية لا يختزل القدر إلى جبر، ولا إلى فوضى اختيارية. تعليقات الشيخ مفتاح تسمح بقراءة القدر بوصفه تقديرا وعلما وتعيينا، أي نظاما يظهر فيه الممكن على قدر مرتبته واستعداده. بهذا تصبح الرياضيات عند غينون بابا لضبط معنى الحد لا تمرينا حسابيا فقط.

صلات